• الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم

    الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم

    اسلاميات

    علم البيان هو واحد من علوم البلاغة الثلاثة، يُشكّل مع علم البديع وعلم المعاني أقانيم علم البلاغة العربيّة، ويعني البيان من حيث اللغة الكشف والإيضاح والإظهار والمنطِق الفصيح المُعرِب عمّا في الضّمير، يقول تعالى: {هذا بيانٌ للنّاس وهُدى وموعظة للمتّقين}، يقول الزمخشري في تفسيره: "أي: إيضاحٌ لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب"، وأمّا اصطلاحًا فهو علمٌ يُعرَفُ به إيراد المعنى الواحد في طرقٍ وتراكيبَ مختلفةٍ في وضوح الدّلالة عليه، وهناك نوعٌ من الإعجاز الذي وقف عليه العلماء في القرآن الكريم اسمه الإعجاز البياني، وهذا المقال سيقف على الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم.

     

    https://qesasgamda.blogspot.com/2021/01/blog-post_5.html
    الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم


    مفهوم الإعجاز البياني :

    بعد الوقوف على معنى علم البيان أحد العلوم الثلاثة لعلم البلاغة العربيّة ينبغي معرفة مفهوم الإعجاز البياني قبل الحديث عن الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم، فالإعجاز البيانيّ مفهومٌ ينقسم إلى شقّين: الشّقّ الأوّل هو كلمة الإعجاز، والشّقّ الثّاني هو كلمة البيان، ولمعرفة معنى هذا المفهوم يجب تفصيل معنى الكلمتين، فالإعجاز هو نقيض القدرة، والعنى المقصود من الإعجاز هو الضّعف والقصور، والبيان هو إيراد المعنى المقصود من دون توسّع في الكلام وذلك بعبارة واضحة، وقد مرّ تعريف البيان مفصّلًا في الفقرة السابقة، وعليه فإنّ معنى الإعجاز البياني هو: اختيار الكلمات والألفاظ بدقّة، وترتيبها على نحو بديع؛ لتظهر فيها البلاغة والبيان والفصاحة على نحو يفهمه القارئ ورحم الله فيلسوف الإسلام مصطفى صادق الرافعي إذ قال في حديثه عن الإعجاز: "وإنّما الإعجاز شيئان: ضَعف القدرة الإنسانيّة في محاولة المعجزة ومزاولته على شدّة الإنسان واتّصال عنايته، ثمّ استمرار هذا الضّعف على تراخي الزمن وتقدّمه؛ فكأنّ العالَمَ كلّه في العجز إنسان واحد ليس له غير مدّته المحدودة بالغةً ما بلَغَت؛ فيصيرُ من الأمر المُعجز إلى ما يشبه في الرّأي مقابلة أطول الناس عمرًا بالدّهر على مداه كلّه، فإنّ العمرَ دهرٌ صغيرٌ، وإنّ لكليهما مدّة في المَعْمَرِ هي من جنس الأخرى؛ غير أنّ واحدةً منها قد استغرقت الثّانية، فإن شاركتها الصّغرى إلى حدّ فما عسى أن يشركهما فيما بقي"، وبعد الوقوف على حقيقة الإعجاز وبسط القول فيه بقي أن تقف الفقرة القادمة مع الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم. 

     

    الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم :

     بعد الوقوف على علم البيان ومفهوم الإعجاز البياني بقي أن تقف هذه الفقرة على الإعجاز البياني في قوله فويل للقاسية قلوبهم، ويلٌ للقاسية قلوبهم آية في القرآن الكريم في سورة الزُّمَر، والآية كاملة تقول: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} فيرى الإمام العلّامة محمّد الطّاهر بن عاشور -رحمه الله- صاحب تفسير التّحرير والتّنوير في تفسيره لهذه الآية أنّ وجه الإعجاز فيها جاء من عدّة طرائق منها أنّ الله -تعالى- قد أجمل سوء حال أولئك القوم بما تدلّ عليه كلمة ويل من بلوغٍ لأقصى درجات التّعاسة والشّقاء، ولعلّ تنكير كلمة ويل وعد مجيء النّداء قبلها زاد من وصف حال القوم؛ فالويل لفظٌ دالٌّ على الشّرّ والهلاك، ولم يُسمع له فعل،والقاسية هي التي تتّصف بالغلظ والقسوة في الحال، والمعنى الأصلي للقسوة تتّصف به الأجسام عادة، ولكنّها هنا استعيرت للقلوب لغرض؛ وهو قلّة تأثّر العقل بما يُلقى عليه من المواعظ وبما يُسدى له من نصائح، ثمّ جاء ختام الوصف مع "مِن"، وهو حرفُ جرٍّ يمكن حمله على معنيين بحسب ابن عاشور؛ فإمّا أن يكون معناها التّعليل، فيكون معنى الآية: القاسية قلوبهم لسماعهم ذكر الله، وإمّا أن يكون معناها ابتداء الغاية؛ أي: القاسية قلوبهم ابتداءً من سماع ذكر الله تعالى، والمقصود بذكر الله هنا القرآن الكريم، وفي نسبته إلى الله -تعالى- زيادة في التّشريف، ثمّ جاء التّذييل في هذه الآية ليجيب السّامع عن سؤال قد يدور في ذهنه فيقول: كيف أنّ ذكر الله قد يسبّب قساوة في القلب، فتكون الإجابة بهذا الاستئناف البيانيّ في القول: {أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}،وهو خير جواب يمكن أن يسمعه المتسائل عن حال أولئك القوم الذين قست قلوبهم من بعد كفرهم {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، وختامًا يقول مالك بن دينار رحمه الله: "ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوةِ قلبٍ، وما غضِبَ الله -عزّ وجلّ- على قومٍ إلّا نزَعَ منهم الرّحمة"، والله -تعالى- أعلى وأعلم.

     

     المصدر : سطور

     

    مدونة قصص جامدة




    إرسال تعليق

    0 تعليقات